بركة رام (بحيرة مسعدة) - ارشيف موقع جولاني
الجولان موقع جولاني الإلكتروني

بركة رام الجولان

بركة رام (بحيرة مسعدة)
نبيه عويدات
تقع بحيرة مسعدة في فوهة بركان خامد شرقي قرية مسعدة، وعلى بعد 3 كم جنوبي بلدة مجدل شمس. لها شكل شبه دائري، فيتراوح قطرها بين 600 و 650 متراً، أما عمقها الأقصى فيصل حتى 10 أمتار. تقع البحيرة على ارتفاع 940 متراً عن سطح البحر، وتحوي في داخلها أكثر من 3 مليون متر مكعب من المياه غير الصالحة للشرب.
أطلقت على البحيرة عدة أسماء عبر التاريخ، ولكن أشهرها هو "بحيرة رام"، مع العلم أنه ورد في أماكن عديدة بصورة "بيحرة ران"، ولكن الصورة الصحيحة هي "بحيرة رام"، وذلك من الكلمة العربية القديمة (أو الآرامية) "رام"- أي العالي. وورد اسمها في بعض الكتابات القديمة باسم "عين حرمون" لأنها تشبه العين الزرقاء، أو "البحيرة الدائرية". وقد طغى اسم "بحيرة مسعدة" مؤخراً عليها، وذلك نسبة إلى قرية مسعدة الواقعة على شاطئها الغربي.

ويأتي ذكر البحيرة في قصة طوفان نوح، عندما غضب الله من البشر لشدة ما ارتكبوه من معاصٍ، فاختار نوح - الرجل الصادق والخير، لينقذ النسل البشري والكائنات الحية، ويؤسس لعالم جديد أكثر فضيلة، فأمره بأن يبني سفينة يضع فيها عائلته ومجموعة من الحيوانات، لينجو بذلك من الطوفان، الذي سيغطي الأرض لأيام متتالية، فيقضي على كل شيء حي. وكانت بحيرة مسعدة حسب تلك الرواية أحد المصادر التي تسببت بالطوفان.
وقد كانت بركة رام حتى زمن ليس ببعيد لغزاً حير الإنسان، إذ لا يوجد نهر يصب فيها، ولكنها مليئة دائماً بالمياه، رغم فعل التبخر نتيجة أشعة الشمس القوية صيفاً، ولو كان هناك نبع في قعرها لفاضت مياهها، فهي موجودة في حفرة تحيط بها التلال من كل صوب، وليس هناك أي نهر يخرج منها. فما سر توازن مستوى المياه هذا؟ وهذا ما فتح الباب للكثير من الخرافات حولها، وردت في الكتابات القديمة التي أتت على ذكر البحيرة، بأن ممراً مائياً تحت أرضي، يخرج من البحيرة ويصب في بانياس ليغذي نبع بانياس الشهير، الذي يغذي بدوره نهر الأردن.
وقد وردت عدة خرافات في الكتابات القديمة حول هذا الموضوع. إحداها تقول أن أميراً يونانياً يدعى "فيليبوس"، أراد تأكيد أن نبع بانياس يأتي من بحيرة مسعدة، فنثر كمية كبيرة من قشر الحنطة في البحيرة، ليظهر قشر الحنطة فيما بعد في نبع بانياس.
خرافة أخرى تروي أن أميراً أغرم بفتاة كانت تعيش في منطقة هي اليوم "حرش مسعدة"، ولكنها لم تبادله هذا الحب، فكان يجلس على شاطئ البحيرة ليعزف ألحاناً حزينة تكسر القلب، على ناي ذهبي. وفي إحدى المرات سقط الناي من يده وضاع في قعر البحيرة، فحزن حزناً على حزنه. وبعد فترة، وأثناء تنقله في المنطقة، مر على بانياس، وكان الوقت مساء، فسمع صوت عزف ناي حزين يأتي من المعبد. عندما اقترب من المعبد، الذي ينبع منه نبع بانياس، رأى نوراً يشع من المكان، فأقترب أكثر ليكتشف أن الصوت والنور يأتيان من نايه الذهبي، الذي كان قد سقط منه في بحيرة مسعدة.
أما إذا عدنا للحقيقة العلمية، فقد بين الخبراء أنه لا يوجد أي ممر مائي يصل البحيرة بنبع بانياس، وأن البحيرة تغذي فقط الينابيع الواقعة في منطقة قريتي عين قنية وزعورة. أما مصدر المياه في البحيرة فهو من مياه الأمطار والسيول، ومن نبع في قعر البحيرة، وعدة ينابيع أخرى صغيرة في جوانب البحيرة، تحت سطح الماء.

بعد الاحتلال الاسرائيلي للجولان، واستغلال السلطات الإسرائيلية لمياه البحيرة بشكل كثيف، إذ سحبت مياهها لري الأراضي الزراعية في المستوطنات، مانعة في الوقت نفسه المزارعين العرب من استغلال مياهها، مع العلم أن أراضيهم ملاصقة للبحيرة بينما أراضي المستوطنات تبعد عشرات الكيلومترات عنها، حصل اختلال في هذا التوازن، وأصبحت البحيرة تجف تقريباً في فصل الصيف. فقامت هذه السلطات بتزويد البحيرة بمياه من وادي سعار القريب، الذي يمتلئ شتاءً من مياه الأمطار والسيول، ومن مياه نبع "رأس النبع"، الذي هو ملك للمزارعين العرب، فيستعملونه صيفاً لري بساتين التفاح، ويحولونه شتاءً إلى مجرى نهري، يسير من منطقة رأس النبع قرب خط وقف إطلاق النار، جنوبي شرقي مجدل شمس، إلى وادي سعار.. حتى بانياس. سلطات الاحتلال أقامت سداً في منطقة "جسر أبو سعيد"، على الطريق بين مجدل شمس ومسعدة، ومدت أنابيب ضخمة، تقوم بسحب المياه من الوادي لتصب في البحيرة.


البحيرة وقد أشكت على الجفاف في العام 2009

وفي العام 2009 أوشكت بحيرة مسعدة على الجفاف بصورة شبه تامة، ونفقت كميات كبيرة من أسماكها، بعد قيام سلطة المياه الإسرائيلية بسحب مياهها بصورة جنونية، ما أدى إلى موجة احتجاج كبيرة لدى الأهالي، الذين أقاموا حملة صحفية كبيرة في وسائل الإعلام المحلية والإسرائيلية والدولية، تمخضت عن إجبار السلطات على وضع حد أدنى يمنع سحب المياه من البحيرة بعد وصول مستوى المياه إلى هذا الحد، وهو ما حافظ في السنوات الأخيرة على منسوب معقول للمياه في البحيرة.

وتعتبر البحيرة معلماً مهماً في حياة المواطنين، وجزءً مهماً من النسيج البيئي المحيط، يرتادونها للتمتع بمنظرها الخلاب، ويمارس البعض منهم هواية صيد السمك، إذ تعيش في البحيرة كميات كبيرة من الأسماك، أهما أسماك المشط والبوري. وكانت البحيرة فيما مضي المكان الوحيد الذي يمارس فيه المواطنون رياضة السباحة، وخاصة أهالي قرية مسعدة الملاصقة لها، الذين أجادوا السباحة بصورة عامة. إلا أن السباحة فيها تراجعت في السنوات الأخيرة نتيجة ظهور برك السباحة العصرية، وخطورة السباحة في البحيرة التي غرق فيها العديد من المواطنين على مر السنين.

«ظاهرة المرآة» في بركة رام – آية في الجمال
وتشهد بركة رام أحياناً ظاهرة رائعة الجمال، وقد أطلق البعض عليها اسم «ظاهرة المرآة». فعندما يكون الجو هادئ تتحول البحيرة إلى مرآة عملاقة ينعكس كل شيء من حولها على سطحها بنقاء أخـّاذ، حتى تكاد لا تفرق أيهما الأصل وأيهما انعكاسه. والملفت للنظر أن هذه الظاهرة تنطبق على سطح البركة من جميع الجهات، بمعنى أنك لو نظرت إلى البركة من أي جهة كانت، أو من أي نقطة مهما بعدت أو قربت، ومهما ارتفعت أو انخفضت، فإنك ستراها مرآة بنفس النقاء والوضوح.
صور لظاهرة المرآة: